يواجه الشباب العائدين بعد الحرب واقعاً معقداً يتجاوز مجرد توقف القتال، حيث تتداخل الخسائر المادية الفادحة مع الندوب النفسية العميقة والتهديدات الأمنية المستمرة. تتنوع هذه التحديات بين فقدان الممتلكات التاريخية، ومواجهة خطر الألغام، والحاجة الماسة للكفاءات الشابة لإعادة البناء. يتناول هذا المقال أبعاد العودة الصعبة، من فقدان الهوية المكانية إلى مخاطر مخلفات الحرب، مع تسليط الضوء على دور الفن والكفاءات في استعادة الحياة الطبيعية وتجاوز آثار الدمار الشامل. كما يستعرض المقال كيف يمكن للمبادرات المجتمعية أن تسد الفجوة في ظل غياب الدعم الدولي الكافي.
تحديات استعادة الهوية والمكان بعد الدمار
تعتبر خسارة المكان والذاكرة من أعمق التحديات التي تواجه العائدين، حيث لا يقتصر الدمار على الجدران بل يمتد إلى الروابط العاطفية. تبرز قصة الشيف ليان يوسف من بلدة الناقورة اللبنانية كنموذج لهذا الصراع؛ فبعد تدمير منزل عائلتها والمطعم الذي أسسه جدها قبل أربعين عاماً، تجد نفسها أمام واقع يجمع بين فقدان ذكريات الطفولة وحتمية العودة رغم الخسارة الفادحة.
إن العودة إلى مساحات كانت يوماً ملاذاً آمناً لتصبح أطلالاً تتطلب جهداً نفسياً هائلاً لاستيعاب التغيير الجذري في البيئة المحيطة. هذا الفقدان للمكان يضع الشباب أمام تساؤلات وجودية حول كيفية بناء مستقبل في أرض تغيرت ملامحها تماماً نتيجة النزاعات.
مخاطر مخلفات الحرب وسلامة العائدين
تمثل مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة تهديداً مباشراً ومستمراً لحياة العائدين، مما يجعل العودة إلى المنازل عملية محفوفة بالمخاطر. في سوريا، يجسد المتطوع في الدفاع المدني السوري، حسن طلفاح، هذه المعاناة؛ حيث فقد ساقه أثناء العمل في إزالة هذه المخلفات عام 2014، ومع ذلك يواصل مهمته الخطيرة في تطهير الأراضي من الألغام.
وفقاً لما يشير إليه الباحثون في شؤون الشرق الأوسط ضمن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، فإن سلامة الأشخاص العائدين تعتمد بشكل أساسي على مدى نجاح عمليات تطهير المناطق من الأجسام المتفجرة. تظل هذه المخلفات عائقاً أساسياً أمام الاستقرار السكاني وإعادة الحياة الطبيعية للمناطق المتضررة.
دور الكفاءات والارتباط الثقافي في إعادة البناء
تتطلب عملية إعادة الإعمار ما هو أكثر من مجرد مواد البناء، فهي تحتاج إلى عقول قادرة على التخطيط وإعادة التأسيس. يشير الدكتور شارل مهند ملك، مؤسس منظمة "التكنوقراط السوريون" من برلين، إلى الدور المحوري الذي تلعبه الكفاءات السورية في المساهمة في إعادة إعمار بلادهم، مؤكداً أن التحديات التي تواجه السوريين الراغبين في العودة تتطلب تضافراً بين الخبرات والاحتياجات الميدانية.
إلى جانب الجانب التقني، يلعب الارتباط الثقافي دوراً في تعزيز الصمود؛ ففي جنوب لبنان، تستخدم فرقة "جذور" للدبكة الفن كوسيلة للحفاظ على الانتماء للأرض. تصبح الدبكة هنا أكثر من مجرد رقصة، بل هي أداة لترسيخ الهوية والارتباط بالجذور في مواجهة محاولات التغيير القسري التي تفرضها الحروب.
الآفاق المستقبلية للشباب العائدين
إن استعادة الحياة في مناطق الصراع تتطلب استراتيجيات شاملة تجمع بين التطهير الأمني، والدعم النفسي، والاستثمار في الكفاءات البشرية، لضمان أن تكون العودة بداية لبناء مستدام وليس مجرد محاولة للعيش فوق الأنقاض.
الأسئلة الشائعة حول العودة بعد النزاعات
ما هي أبرز المخاطر التي تواجه العائدين؟
تتمثل أبرز المخاطر في التهديدات الأمنية الناتجة عن مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة التي تملأ المناطق المتضررة. بالإضافة إلى ذلك، يواجه العائدون تحديات اقتصادية ونفسية ناتجة عن فقدان الممتلكات والروابط الاجتماعية التي دمرتها النزاعات المسلحة.
كيف تساهم الكفاءات في إعادة الإعمار؟
تساهم الكفاءات، مثل التكنوقراط والخبراء، في وضع الخطط العلمية والعملية لإعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات. هذا الدور يتجاوز البناء المادي ليشمل إعادة تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مما يضمن استدامة عملية التعافي في المناطق المتضررة.
هل للفن دور في عملية العودة؟
نعم، يلعب الفن والتراث، مثل الدبكة في جنوب لبنان، دوراً حيوياً في تعزيز الانتماء والهوية. يساعد التعبير الثقافي الشباب على الحفاظ على ارتباطهم بأرضهم، ويوفر وسيلة للمقاومة النفسية والاجتماعية لاستعادة الشعور بالاستقرار والارتباط بالمكان.
الخاتمة
إن رحلة الشباب العائدين بعد الحروب هي مسار شاق يتجاوز حدود الجغرافيا ليصل إلى عمق الهوية والإنسان. بين مطرقة الدمار المادي وسندان المخاطر الأمنية المتمثلة في الألغام، يبرز الأمل من خلال تكاتف الكفاءات العلمية والتمسك بالجذور الثقافية. إن نجاح العودة لا يقاس فقط بعودة السكان إلى منازلهم، بل بقدرة هذه المجتمعات على إعادة بناء كيانها الاجتماعي والاقتصادي، وتحويل مناطق النزاع إلى بيئات آمنة ومستقرة قادرة على احتضان طموحات الأجيال القادمة.




